الوسيط في شرح القانون المدني الجديد
هذا هو الوسيط أقدمه بين يدي رجال القانون، أقوى ما أكون أملاً في أن يملأ فراغاً وأن يسد حاجة. وقد اعتزمت فيه بمشيئة الله أن أشرح القانون المدني الجديد.
والوسيط هو الوسط ما بين الوجيز والمبسوط. ولئن جعل الله في العمر بقيةً، وأمدني بعون من عنده، لأخرجتُ بعد الوسيط الوجيزَ، ثم استعنت برفقة من زملائي في إخراج المبسوط؛ فتتم بذلك حلقات ثلاث، ينتظمها عقد واحد. والوسيط هو واسطة هذا العقد؛ تجمله فيصبح وجيزاً، وتفصله فيصير مبسوطاً. ومن أجل ذلك اخترت أن أبدأ به؛ فهو أوفى من الوجيز في سد حاجات العلم والعمل، وهو أدنى من المبسوط للباحث الذي لا يملك غير وقت محدود.
وبعد، فطابع القانون المدني الجديد الاعتدال؛ فهو يرضي الاستقرار، ويطاوع التطور. والاستقرار يتمثل في وصل الحاضر بالماضي، والتطور يتراءى في تطلع الحاضر إلى المستقبل.
وإيذاناً بأن الحاضر متصل بالماضي، عمدت في هذا الكتاب إلى أمرين:
(أولهما): أنني طفقت أشير إلى القضاء والفقه المصريين في عهد القانون المدني القديم كما لو كانا قد نبتا في عهد القانون المدني الجديد. وتراني أشير إليهما دون أن أشعر القارئ بأن القانون المدني قد تغير، ودون أن أنبه إلى أن القضاء والفقه اللذين أستند إليهما قد قاما في عهد القانون المدني القديم. وأردت بذلك أن أدل على أن ما كان يصلح قضاء وفقهاً في الماضي لا يزال صالحاً حتى اليوم؛ فالسلسلة لم تنقطع حلقاتها، والعهد الحاضر لا يزال متصلاً بالعهد الماضي أوثق الاتصال.
وتعمدت أن أنقل عن كتابي في نظرية العقد وعن كتابي الآخر في النظرية العامة للالتزامات كثيراً مما اشتملا عليه من الآراء الفقهية ومن قضاء المحاكم المصرية، في العبارات ذاتها التي وردت في الكتابين، بعد توفير ما ينبغي من الملاءمة ليساير الكتاب الجديد أحكام القانون الجديد. كل ذلك حتى أصل الحاضر بالماضي، وحتى أثبت من طريق عملي أن الكتاب الذي كان يصلح مرجعاً في القانون القديم لا يزال صالحاً في كثير من نواحيه مرجعاً في القانون الجديد لم يؤذن بثورة، ولم يحدث انقلاباً.
وإذا كنت قد رجعت عن بعض الآراء الفقهية التي سبق لي أن اعتنقتها في الكتابين اللذين أسلفت ذكرهما، فتلك سنة العقل البشري، لا يقيم على خطة واحدة من النظر؛ فهو لا يستطيع أن يستوعب الحقائق مطلقة، ويدرك اليوم ما لم يكن بقادر على إدراكه بالأمس.
ولما كان القانون الجديد – فيما استحدث من النصوص والأحكام – لا يزال بكراً لم يرد فيه قضاء أو فقه، فقد استعضت عنهما بما نقلت من الأعمال التحضيرية؛ فأرخت كل نص من نصوص القانون الجديد منذ كان النص في المشروع التمهيدي، متعقباً إياه وقد انتقل إلى المشروع النهائي، ثم إلى مجلس النواب، ثم إلى لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ، ثم إلى مجلس الشيوخ، حتى أصبح هو نص القانون الجديد. نقلت ما جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في صدد هذه النصوص، واعتمدت في كل ذلك على مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني الجديد التي أصدرتها وزارة العدل في أجزاء سبعة.
وكنت إذا ما استحدث القانون الجديد تغييراً، أعني كل العناية بالإشارة إلى هذا التغيير، فأرسم حدوده، وأبين مداه، وأستطرد عند الحاجة إلى بحث سريان الحكم الجديد من حيث الزمان، فأذكر ما عسى أن يكون للنص المستحدث من أثر رجعي، وبخاصة ما يكون له من أثر فوري، وفقاً للنظريات الحديثة.
(والأمر الثاني): أنني جعلت الفقه والقضاء الفرنسيين هما، من بين سائر النظم القانونية الأجنبية، النظام الأجنبي الذي رجعت إليه، كما كانت الحال في عهد القانون المدني القديم. على أن القضاء الفرنسي لم أشر إليه إلا حيث أتابع التطور التاريخي لبعض المبادئ القانونية، وإلا حيث استكمل به القضاء المصري.
وقد تعمدت أن يكون قضاؤنا المصري هو الأصل الذي يرجع إليه، فيكون هو القضاء البارز في جميع نواحي الكتاب، لا يغني عنه القضاء الفرنسي، بل لا يقف إلى جانبه إلا حيث تقوم الحاجة. لم أفعل ذلك زراية بالقضاء الفرنسي أو غضاً من شأنه، وإلا فهو القضاء الذي نزلنا ضيوفاً في ساحته الواسعة، وعشنا زمناً في رحباته الفسيحة. ولكن آن للضيف أن يعود إلى بيته، بعد أن أقامه على عمد قوية.
والقضاء المصري في مدى خمسة وسبعين عاماً قطع شوطاً بعيداً في طريق التقدم، حتى أصبح من حقه أن يظفر باستقلاله، وقد صار من الكثرة والتنوع بحيث يجد الباحث فيه لكل مسألة مرجعاً، وبلغ في الذاتية شأواً أبعد مما بلغ الفقه المصري؛ فمن واجبه الآن أن يضطلع بمسؤولياته كاملة.
هذا عن اتصال الحاضر بالماضي. أما عن تطلع الحاضر إلى المستقبل، فآيته أن القانون المدني الجديد يفتتح عهداً جديداً. يتمثل ذلك في هذه النهضة التشريعية المباركة التي بدأت منذ سنة 1936، وقد أرسى أساسها علي ماهر باشا باللجان التي ألفها لوضع مشروعات للتقنينات الرئيسية، فناظرت هذه الحركة المثمرة المباركة قرينتها التي نبتت ستين عاماً قبلها وانتهت إلى وضع التقنينات المصرية الحديثة التي قامت عليها حياتنا القانونية ولا تزال تقوم على بعض منها حتى اليوم. فما أشبه الليلة بالبارحة!
لقد دخلت مصر بالأمس، وفي نهضتها التشريعية الأولى، عالم القانون الحديث، فخطت خطوة حاسمة في مدارج تطورها القانوني. وهي اليوم، في نهضتها التشريعية الثانية، تخطو خطوة حاسمة أخرى، فتتبوأ مكاناً مستقلاً في الأسرة العالمية للقانون.
وإذا كانت مصر قد استقلت بتشريعها، فقد آن لها أن تستقل أيضاً بقضائها وبفقهها. وإن هذا العهد الجديد، الذي افتتحه القانون المدني الجديد، لتعلن فيه مصر أنها قد اعتزمت أن يكون لها قضاء ذاتي وفقه قومي. هذه هي المرحلة الجديدة التي تخطوها مصر، وهذه هي الآفاق الجديدة التي تطالع بها رجال القانون في هذا العهد الجديد.
لقد ظفر التشريع المصري بالاستقلال في سنة 1937، وكانت معاهدة مونتريه هي صك استقلاله. وظفر القضاء المصري بالتوحيد بعد انقضاء فترة الانتقال وزوال المحاكم المختلطة؛ فعلى القضاء المصري تقع تبعات جسيمة ينبغي له أن ينهض بها. وعلى الفقه المصري أن يكون الرائد للقضاء المصري، يمهد له السبيل، ويعبد له الطريق.
وإذا كان القانون المدني الجديد قد اقتبس نصوصاً من بعض المصادر الأجنبية، فليست هذه، في الكثرة الغالبة منها، غير مصادر استئناس للصياغة. أما الغالبية العظمى من أحكامه فمستمدة من أحكام القانون المدني القديم ومن المبادئ التي أقرها القضاء المصري طوال سبعين سنة كاملة.
وقد كتبتُ منذ ثماني عشرة سنة في كتاب «نظرية العقد»:
«علينا أولاً أن نمصر الفقه، فنجعله فقهاً مصرياً خالصاً، نرى فيه طابع قوميتنا، ونحس أثر عقليتنا؛ ففقهنا حتى اليوم لا يزال، هو أيضاً، يحتله الأجنبي، والاحتلال هنا فرنسي. وهو احتلال ليس بأخف وطأة، ولا بأقل عنتاً، من أي احتلال آخر. لا يزال الفقه المصري يتلمس في الفقه الفرنسي الهادي المرشد، لا يكاد يتزحزح عن أفقه، أو ينحرف عن مسراه؛ فهو ظله اللاصق، وتابعه الأمين. فإذا قُدِّر لنا أن نستقل بفقهنا، وأن نفرغه في جو مصري، يشب فيه على قدم مصرية، وينمو بمقومات ذاتية، بقي علينا أن نخطو الخطوة الأخيرة، فنخرج من الدائرة القومية إلى الدائرة العالمية، ونؤدي قسطاً مما تفرضه علينا الإنسانية ضريبة في سبيل تقدم الفقه العالمي، أو ما اصطلح الفقهاء على تسميته بالقانون المقارن».
واليوم يسعدني أن أنقل هنا ما أدليتُ به أمام اللجنة التشريعية بمجلس النواب، وهي تنظر مشروع القانون الجديد:
«إن النصوص التشريعية الواردة في هذا المشروع لها من الكيان الذاتي ما يجعلها مستقلة كل الاستقلال عن المصادر التي أخذت منها. ولم يكن الغرض من الرجوع إلى التقنينات الحديثة أن يتصل المشروع بهذه التقنينات المختلفة اتصال تبعية في التفسير والتطبيق والتطور؛ فإن هذا، حتى لو كان ممكناً، لا يكون مرغوباً فيه؛ فمن المقطوع به أن كل نص تشريعي ينبغي أن يعيش في البيئة التي يطبق فيها، ويحيا حياة قومية توثق صلته بما يحيط به من ملابسات، وما يخضع له من مقتضيات، فينفصل انفصالاً تاماً عن المصدر التاريخي الذي أخذ منه، أياً كان هذا المصدر.
وقد حان الوقت الذي يكون لمصر فيه قضاء ذاتي وفقه مستقل. ولكل من القضاء والفقه، بل على كل منهما، عند تطبيق النص أو تفسيره، أن يعتبر هذا النص قائماً بذاته، منفصلاً عن مصدره، فيطبقه أو يفسره تبعاً لما تقتضيه المصلحة، ولما يتسع له التفسير من حلول تفي بحاجات البلد، وتساير مقتضيات العدالة. وبذلك تتطور هذه النصوص في صميم الحياة القومية، وتثبت ذاتيتها، ويتأكد استقلالها، ويتحقق ما قصد إليه واضعو المشروع من أن يكون لمصر قانون قومي، يستند إلى قضاء وفقه لهما من الطابع الذاتي ما يجعل أثرهما ملحوظاً في التطور العالمي للقانون».
تطور النصوص في صميم الحياة القومية: هذه هي مهمة القضاء والفقه في مصر منذ اليوم. ولا عذر لهما إذا هما تخليا عن هذه التبعة الخطيرة، وتركا الاجتهاد إلى التقليد.
وإن القانون المصري الجديد ليؤذن بعهد جديد لا في مصر فحسب، بل أيضاً في البلدين الشقيقين العربيين: سورية والعراق. ويكفي أن يكون هذا الشرح للقانون المصري الجديد هو في الوقت ذاته شرح للقانون السوري الجديد؛ فما بين القانونين إلا فروق طفيفة أشرت إليها في حواشي هذا الكتاب. وهو أيضاً مرجع أساسي لشرح القانون العراقي الجديد؛ فقد قام هذا القانون على مزاج موفق من الفقه الإسلامي والقانون المصري الجديد. وقد حان الوقت ليتعاون الفقهاء المصريون مع زملائهم فقهاء سورية وفقهاء العراق، ويتكاتفوا جميعاً لإرساء أساس قوي «للقانون المدني العربي»، يكون قوامه الفقه الإسلامي؛ قانون المستقبل لبلاد العروبة جميعاً.
وإذا كنا نشعر اليوم بنزعة محمودة إلى تثبيت ذاتيتنا وتأكيد استقلالنا، بعد أن صلب عودنا وشببنا عن الطوق، فإن الواجب يقتضينا أن نذكر ذكر المعترف بالفضل والجميل ما نحن مدينون به للفقه الأجنبي، وبخاصة للفقه الفرنسي؛ فقد كان هذا الفقه التكئة التي عليها نرتكز، والنور الذي به نهتدي، ولا زلنا مغمورين بفيضه حتى اليوم".
هذا، والكتاب الذي أقدمه إلى القراء هو من طلائع الشروح للقانون المدني الجديد؛ فلا بد أن يكون بعيداً عن حد الكمال. وما أعجلني إلى إخراجه إلا علمي بأن الغاية بعيدة، وأن العمر قصير، وأن الكمال لله وحده.
وقد تفضل صديقي الأستاذ الفاضل مصطفى كامل إسماعيل فكفل تصحيح «التجارب»، فعاون بذلك على إخراج الكتاب معاونة مشكورة، تخففتُ بها من مشقة بالغة؛ جزاه الله عني خير الجزاء.
وإذا كان هذا الكتاب ليس إلا خطوة متواضعة نحو استقلال الفقه المصري، وقد بدت بشائر هذا الاستقلال قبل ذلك في كتب ورسائل قيمة لزملاء هم في الذروة من فقه القانون المدني، فإني أرجو أن يكون الكتاب، في هذا الحيز المحدود، قد أوفى بقليل من الغرض، وملأ شيئاً من الفراغ، وسد بعضاً من الحاجة.
وبالله المستعان.
أبريل سنة 1952
يكتنف الظروف التى وضع فيها التقنين المدنى القديم شيء من الغموض، إذا لم يختلف عنه أعمال تحضيرية تبين لنا كيف وضع، والظروف التى وضع فيها، والسياسة التشريعية التى توخيت فى وضعه.
والمعروف أن واضع التقنين المدنى المختلط هو الأستاذ مانوري (Manoury). كان محامياً فرنسياً يقيم فى الإسكندرية. واتخذه نوبار باشا أمين سر له. ثم عينه بعد ذلك أمين سر للجنة الدولية التى كانت تدرس مشروع إنشاء المحاكم المختلطة فى مصر، وعهد إليه فى وضع التقنينات المختلطة فى سنة 1872، فانتهى من وضعها فى العام التالى (سنة 1873).
وقد اقتبس مانورى التقنين المدنى المختلط من التقنين المدنى الفرنسى، فاختصر هذا التقنين اختصاراً مخلا فى كثير من المواطن. ونقل بعض المسائل عن القضاء الفرنسى وعن التقنين المدنى الإيطالى القديم الذى صدر فى سنة 1866. ولم يغفل الشريعة الإسلامية فنقل عنها بعض الأحكام. وصدر التقنين المدنى المختلط فى 28 من يونيه سنة 1875. ثم شكلت لجنة من بعض كبار المترجمين – كان فيهم محمد قدرى (باشا) وحسين فخرى (باشا) وبطرس غالى (باشا) – وقامت اللجنة بترجمة هذا التقنين وسائر التقنينات المختلطة إلى اللغة العربية.
وما لبثت حكومة ذلك العهد، بعد إذ استقرت المحاكم المختلطة، أن تطلعت إلى إصلاح القضاء الوطنى وتنظيمه على غرار القضاء المختلط. وكان ناظر الحقانية إذ ذاك محمد قدرى باشا. فتألفت فى أواخر سنة 1880 لجنة لوضع لائحة لمحاكم وطنية نظامية، كان من بين أعضائها الأستاذ موريوندو (Moriondo) وهو محام إيطالى عين قاضياً فى محكمة الإسكندرية المختلطة فى سنة 1875، وبقى فى القضاء المختلط حتى وصل إلى منصب وكيل محكمة الاستئناف المختلطة، وتوفى سنة 1911. وقامت هذه اللجنة بوضع لائحة لترتيب المحاكم الوطنية الجديدة صدرت فى 17 من نوفمبر سنة 1881. وقام أعضاء اللجنة فى الوقت ذاته بوضع تقنينات لهذه المحاكم، صيغت كلها على مثال التقنينات المختلطة. وكان من نصيب الأستاذ موريوندو أن يضع التقنين المدنى الوطنى، فنقله نقلا يكاد يكون حرفياً من التقنين المدنى المختلط. واشترك محمد قدرى باشا مع الأستاذ موريوندو فى وضع هذا التقنين.
ثم شبت الثورة العرابية، فوقفت حركة الإصلاح القضائى. ولما أخمدت الثورة أعادت الحكومة النظر فى لائحة سنة 1881، وأصدرتها معدلة فى 14 من يونيه سنة 1883. ثم أصدرت التقنين المدنى الوطنى فى 28 من أكتوبر سنة 1883، فالتقنينات الخمسة الأخرى فى 13 من نوفمبر سنة 1883. وقد وضعت هذه التقنينات الوطنية كلها باللغة الفرنسية، ثم ترجمت إلى اللغة العربية. وقام بالترجمة يوسف وهبه (باشا) مسترشداً بترجمة التقنينات المختلطة التى سبقت الإشارة إليها. وراجعت الترجمة لجنة شكلت لهذا الغرض.
وقد سجلت قوانين ((الإصلاح)) المختلطة والوطنية فى تاريخ التقنين المصرى مرحلة تقدم واسعة فى العهد الذى صدرت فيه، وقضت على كثير من مساوئ الماضى. ولكن البلاد بقيت تسير إلى الأمام، فتطورت المدينة، واستدار الزمن، وتقدم فن التقنين، وأصبحت مصر لا تقنع اليوم بما كانت تقنع به بالأمس، وأخذت عيوب هذه التقنينات تظهر شيئا فشيئا. وبحسبى أن أشير هنا إشارة موجزة إلى عيوب التقنين المدنى القديم.
وأول ما يعيب هذا التقنين أنه محض تقليد للتقنين الفرنسى العتيق. فجمع بين عيوب التقليد وعيوب الأصل الذى قلده. والتقنين الفرنسى قد قدم به العهد، وهو اليوم متخلف عن العصر الذى يعيش فيه قرناً ونصف قرن. وفى خلال هذه الأجيال الطويلة ارتقى التقنين المقارن إلى مدى جعل التقنين الفرنسى فى الصف الأخير من التقنينات الحديثة. فهناك مسائل ذات خطر كبير نبتت فى العهود الأخيرة، ونمت وازدهرت فاحتوتها تقنينات القرن العشرين، ولا نجد لها أثراً فى التقنين الفرنسى، وقد ولد فى فجر القرن التاسع عشر، ولا فى تقنيننا المدنى الذى أخذ عنه. فمبدأ التعسف فى استعمال الحق، ونظرية الاستغلال، ونظام المؤسسات، وتنظيم الملكية فى الشيوع، وعقود التزام المرافق العامة،وعقد التأمين، وحوالة الدين، والإعسار المدنى، كل هذه المسائل الخطيرة لا نعثر على نص واحد فيها لا فى التقنين الأصيل ولا فى التقنين المقلد. وحتى فيما احتواه هذان التقنينان من النظريات والأحكام، نرى الكثير منها ناقصاً مبتورا. ويكفى أن نشير إلى أهم نظرية فى القانون المدنى وهى نظرية الالتزام، وإلى أهم باب فيها وهو باب المصادر، حتى يظهر بجلاء أن أحكام العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب وردت فى التقنينين غامضة مقتضبة. فلا نجد فى أحكام العقد شيئاً عن النيابة فى التعاقد، ولا عن الإرادة المنفردة، ولا عن عقود الإذعان، ولا عن الدفع بعدم تنفيذ العقد، ولا عن الحق فى الحبس، بل نحن لا نجد فى مسألة من أدق مسائل العقد، وهى مسألة تكوينه، إلا صمتا محيرا. فلا نص يبين كيف يصدر الإيجاب، ومتى يكون ملزماً، وإلى أى وقت، وكيف يقترن به القبول، ومتى وأين يتم التعاقد فيما بين الغائبين. ولا نجد فى المسئولية التقصيرية إلا عدداً قليلا من النصوص تسكت عن أهم المسائل فى هذه المسئولية. أما فى الإثراء بلا سبب فلا يوجد نص واحد يضع القاعدة العامة فى هذا الموضوع الخطير.
ولم يقتصر التقنين المصرى على نقل عيوب التقنين الفرنسى، بل زاد عليها عيوباً من عنده. وهو إذا كان قد تجنب عيوب هذا التقنين فى بعض المسائل، كما فعل فى ترتيبه لمصادر الالتزام وفى عيوب الرضاء والهبة المستترة والتضامن فى المسئولية التقصيرية والمصروفات الفاحشة فى بيع الوفاء وامتياز المقاول من الباطن، إلا أن ما زاده من العيوب أربى بكثير على ما تجنبه منها.
ففى تقنيننا المدنى القديم فضول واقتضاب. وفيه غموض وتناقض. ثم هو يقع فى كثير من الأخطاء الفاحشة.
إلى جانب العيوب الموضوعية، يعاني التقنين القديم من عيوب شكلية ترجع إلى تبويبه وإلى ازدواج لغته.
أنت ترى قدر الاضطراب الذى يقع من ازدواج لغة التشريع ومن عدم اطراد القاعدة فى الأخذ بأى النصين، فتارة يؤخذ بالنص العربى، وأخرى بالنص الفرنسى. هذا إلى أن الترجمة العربية، وهى النص الرسمى، يقع كثيراً أن تكون ترجمة خاطئة لم تتحر الدقة فيها.
هذه هى عيوب التقنين القديم أشرنا فى إيجاز لأن الكثير منها معروف. وتقنين على هذا القدر من العيوب لا يجوز التردد فى القول بوجوب تنقيحه، وبتنقيحه تنقيحاً شاملاً. فالتنقيح الجزئي لا يجدى فى إصلاح عيوب انتشرت فى جميع ثنايا التقنين، وشاعت فى كل أجزائه. وقد كان التنقيح الشامل هو المبدأ المقرر فى جميع اللجان التى توالت على تنقيح هذا التقنين، يبرز هذا فى وضوح من الرجوع إلى أعمال هذه اللجان، ومن الرجوع إلى المذكرة الرسمية التى كانت أصلا فى تأليف اللجان جميعاً.
والتقنينات متى قدمت، وطال بها العهد، واختلف عليها الزمن، لا يجدى فيها الترفيع. وقد عمد واضعو المشروع الفرنسى الإيطالى إلى التنقيح الشامل دون التنقيح الجزئى، فطلعوا على الناس بأثر تشريعى جليل. وهكذا صنع الإيطاليون عند ما نقحوا تقنينهم المدنى فى العهد الأخير، فجاء تنقيحهم شاملا جامعاً. وهذا هو ما اعتزم الفرنسيون أن يصنعوا، فهم اليوم ينقحون تقنينهم المدنى العتيق تنقيحاً شاملا، بدأوا العمل فيه منذ سنة 1945. فإذا كان كل من التقنين الإيطالى والتقنين الفرنسى فى هذه الحاجة إلى التنقيح الشامل، وقد نقح أولهما فعلا وأخذ الثانى طريقه إلى التنقيح، فما أولى التقنين المصرى بالتنقيح الشامل وهو الذى جمع إلى عيوبه الذاتية عيوب الأصل الذى حاكاه.
نبتت فكرة تنقيح التقنين المدنى منذ عهد بعيد. وقد كان التقنين القديم منذ صدوره محلا لتعديلات جزئية متفرقة. وألفت لجنة أثناء الحرب العالمية الأولى للنظر فى إلغاء الامتيازات الأجنبية، وكان فيما فكرت فيه تنقيح القانون المدنى.
على أن التنقيح الشامل لم يكن محلا للتفكير فى تلك العهود. ولكن التطورات العميقة التى ساقها الحرب العالمية الأولى ما لبثت أن جعلت هذه المسألة الخطيرة تطرح على بساط البحث. فناقشها كبار المشتغلين بالقانون المصرى من الأجانب فى ذلك الوقت، منهم الأستاذ بيولاكازيللى، والأستاذ مسينا، والأستاذ والتون، والأستاذ بواييه. فكان الأولون من خصوم التنقيح الشامل، والأخيران من أنصاره.
وأول تصريح رسمى حاسم فى اعتزام الحكومة تعديل التقنين المدنى والتقنينات الأخرى تعديلا شاملا ورد فى الخطاب الذى ألقاه وزير الحقانية فى عيد الاحتفال الخمسينى بالمحاكم الوطنية فى سنة 1933. وعلى أثر ذلك انطلق الشعور العام الذى كان سائدا فى ذلك الوقت بين رجال القانون من المصريين، فنادوا بوجوب تنقيح التقنين المدنى تنقيحاً شاملاً.
ثم توالت الأحداث السياسية، وأخذت الحرب العالمية الثانية تقترب، ومال الإنجليز إلى عقد معاهدة مع مصر استعداداً لهذه الحرب. وقبل أن تعقد معاهدة سنة 1936، توقعت الوزارة التى كانت قائمة فى الحكم إذ ذاك – وزارة على ماهر باشا – أن هذه المعاهدة لابد أن تعرض للامتيازات الأجنبية، وأن تقضى بإلغائها. فقدرت بحق أن إلغاء هذه الامتيازات يقتضى تعديل التقنينات المصرية التى وضعت على عجل وقت إنشاء المحاكم المختلطة، ونقلت نقلا يكاد يكون حرفياً إلى المحاكم الوطنية عند إنشائها. فأخذت للأمر أهبته، وشكلت لجنتين، إحداهما لتعديل التقنين المدنى والتقنين التجارى وتقنين المرافعات، والأخرى لتعديل التقنين الجنائى وتقنين الإجراءات الجنائية.
تم تكليف إحدى اللجنتين بتنقيح القانون المدنى تنقيحاً شاملا. وكانت هذه اللجنة برئاسة مراد سيد أحمد باشا، وأعضاؤها سبعة غير الرئيس. وقد شكلت بقرار من مجلس الوزراء صدر فى أول مارس سنة 1936. حدد المجلس عامين للجنة لكى تتم فى خلالهما أعمالها، واشترط تفرغ أعضاء اللجنة ومعاونيهم للمهمة التى نيطت بهم تفرغاً تاماً فى نظير مكافآت مالية تعوضهم عن جهودهم.
عقدت اللجنة الأولى في المدة ما بين 21 من مارس سنة 1936، و26 من مايو سنة 1936، عشر جلسات. انتهت إلى إقرار بعض النصوص التمهيدية فى القانون المدنى على أساس مشروع تقدم به الأستاذ لينان دى بلفون، وهي تتعلق بمصادر القانون وبتنازع القوانين. وقد استبقى المشروع التمهيدى للقانون المدنى الجديد من هذه النصوص أربعة هى المواد الأولى فيه، وكذلك استبقى مشروعاً قدمه للجنة الأستاذ لينان دى بلفون فى الأشخاص المعنوية والجمعيات والمؤسسات بعد إدخال بعض تعديلات فيه. ولكن اللجنة الأولى لم تكد تقضى فى عملها شهرين حتى صدر قرار من مجلس الوزراء فى 26 من مايو سنة 1936 بحلها اقتصاداً فى النفقات على أثر تغير الوزارة.
بقى العمل معطلاً إلى أن صدر فى 20 من نوفمبر سنة 1936 قرار من مجلس الوزراء بتشكيل اللجنة الثانية برياسة كامل صدقى (باشا) ومعه عشرة أعضاء، على أسس تغاير الأسس التى قامت عليها اللجنة الأولى، فلم تحدد لنهاية العمل مدة وألغى نظام التفرغ والمكافآت.
عقدت اللجنة الثانية فى المدة ما بين 20 من نوفمبر سنة 1936 و21 من يونيه سنة 1938 ما يقرب من عشرين جلسة، انتهت فيها إلى الموافقة على النصوص التمهيدية والنصوص المتعلقة بالموطن والشفعة والكفالة. وقد استبقى المشروع التمهيدى للقانون المدنى الجديد من هذه الأعمال النصوص المتعلقة بالشفعة بعد مراجعتها والنصوص المتعلقة بالكفالة بعد إدخال تعديلات جوهرية فيها.
في 16 من يونية سنة 1938، تقدم وزير العدل أحمد خشبة باشا بمذكرة إلى مجلس الوزراء اقترح فيها إسناد مهمة وضع التقنين إلى أحد رجال القانون، حتى إذا فرغ من وضع مشروع تمهيدى طرح هذا المشروع على الرأى العام، ثم عهد به إلى لجنة تتولى مناقشته. واقترح أن يعهد فى وضع المشروع التمهيدى للقانون المدنى إلى اثنين من المشتغلين بالقانون يختار أحدهما من المصريين والآخر من الأجانب، على أن يتفرغا لعملهما ويتماه فى مدى ستة شهور.
في 21 من يونية سنة 1938 وافق مجلس الوزراء على الاقتراح وحلت اللجنة الثانية. وفي 28 من يونيه سنة 1938 أصدر وزير العدل قراراً بإسناد مهمة وضع المشروع التمهيدى للقانون المدنى لاثنين من رجال القانون، أحدهما الأستاذ إدوار لامبير، والثانى مؤلف هذا الكتاب. وإلى هذا الإجراء الحكيم يرجع الفضل فى إنجاز المشروع التمهيدى فى قرابة عامين، وقد بلغت مواد هذا المشروع 1591 مادة، وتم طبعه فى سنة 1942. وعرضته وزارة العدل للاستفتاء على رجال القضاء وأساتذة القانون ومختلف الهيئات القانونية والمالية، وظل معروضا للاستفتاء زهاء ثلاث سنوات.
في 29 من مارس سنة 1945 شكلت لجنة برياسة مؤلف هذا الكتاب وعضوية أربعة من رجال القانون، لمراجعة المشروع فى ضوء ما تم من الاستفتاء وما قدم من الملاحظات. وقد عقدت لجنة المراجعة هذه أولى جلساتها فى أول أبريل سنة 1945 وانتهت من مراجعة المشروع التمهيدى فى 21 من نوفمبر سنة 1945.
أرسل المشروع النهائى إلى مجلس الوزراء فى 22 من نوفمبر سنة 1945، وهو يشتمل على 1253 مادة، وصدر مرسوم بعرضه على البرلمان فى 4 من ديسمبر سنة 1945.
أحالت اللجنة المشروع بعد أن أقرته إلى مجلس الشيوخ، فأقره المجلس فى 28 من شهر يونيه سنة 1948. وأحيل ثانية إلى مجلس النواب لإقرار التعديلات التى رأى مجلس الشيوخ إدخالها، فأقرها مجلس النواب فى 5 من شهر يولية سنة 1948.
فى 16 من شهر يوليه سنة 1948 صدر المرسوم بالتصديق عليه وإصداره. ونشر فى الجريدة الرسمية بتاريخ 29 من شهر يوليه سنة 1948 على أن يعمل به ابتداء من 15 أكتوبر سنة 1949، أي من اليوم الذى توحد فيه القضاء المصرى بزوال النظام المختلط، وبلغ عدد مواده 1149 مادة.
في 24 من شهر أكتوبر سنة 1948 صدر قرار وزير العدل بتشكيل لجنة لجمع الأعمال التحضيرية للتقنين المدنى الجديد ونشرها. وقد أنجزت اللجنة مهمتها، ووقعت مجموعة الأعمال التحضيرية فى أجزاء سبعة، هى التى ننقل عنها فى هذا الكتاب.
كان الهم الأول لواضعى التقنين الجديد هو أن يعالجوا عيوب التقنين القديم سواء فى الشكل أو فى الموضوع.
رأينا أن التقنين القديم كان معيباً فى تبويبه، ومعيباً فى ازدواج لغته وضعف أسلوبه.
عالج التقنين الجديد العيوب الموضوعية التى كانت متفشية فى التقنين القديم، فاستحدث أحكاما جديدة، واستوفى مسائل ناقصة، وجمع نصوصا متناثرة.
مصادر التنقيح ثلاثة:
لم يحمل التقنين الجديد فى نصوصه وأحكامه شيئاً يغاير ما كان التقنين القديم يتضمن من نصوص وأحكام، إلا فيما أضافه لسد نقص أو عالجه من عيوب. يمكن رد الفروق الجوهرية إلى أصلين: ما استحدثه التقنين الجديد من أحكام لم يكن معمولا بها، وما قننه من أحكام كان معمولاً بها ولكن نصوص التقنين القديم كانت تقصر عن تأديتها.
استحدث التقنين الجديد موضوعات كاملة ومسائل تفصيلية متنوعة.
هذه الأحكام طائفتان: أحكام أقرها القضاء المصري دون نص، وأحكام كانت منصوصاً عليها ولكن النصوص كانت معيبة أو في غير مكانها.
انتفع التقنين الجديد انتفاعاً كبيراً بالقضاء المصرى السابق وقنن المبادئ الهامة التى أقرها هذا القضاء، والتي تبلغ أكثر من نصف نصوص التقنين الجديد.
يمكن رد الاتجاهات العامة للتقنينات الحديثة إلى اتجاهين رئيسيين:
التقنين المصرى الجديد، في صورته النهائية، قد انحاز إلى النظام اللاتينى، مع تأثره ببعض النزعات الجرمانية بالقدر الذي تأثرت به القوانين اللاتينية ذاتها. فلم يخرج التقنين الجديد على تقاليده اللاتينية، بل بقى محتفظا بها.
طابع التقنين الجديد هو الاعتدال، فيتخذ سبيله قواماً بين الاستقرار والتطور، وبين الفرد والجماعة.
يقوم العقد على ركنين: التراضي والسبب، أما المحل فهو ركن في الالتزام. نبحث في: 1) التراضي، 2) المحل، 3) السبب، 4) البطلان.
يوجد التراضي بوجود إرادتين متوافقتين، ويجب أن تكونا صحيحتين.
التراضي لا يكون صحيحاً إلا إذا كان صادراً من ذي أهلية ولم تكن إرادة أحد المتعاقدين مشوبة بعيب (الغلط، التدليس، الإكراه، الاستغلال).
```